تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لعصابه والتغول القبلي .. من يتدارك الجمهورية؟/ الشيخ أحمد مودي

الإعلان عن المهمات التي بدأها الحزب الحاكم في الصيف الماضي  بولاية لعصابه ؛ وعودة الأطر من أبناء الولاية إلى الأهالي  لتسجيل الحضور " السياحي " كما أمر رئيس الجمهورية جعل وجهاء القبائل وأطرها يجددون صلاتهم القديمة بناخبين يتم استغلالهم عند الحاجة كخزان للأصوات وتتم دغدغة عواطفهم بكثير من المكر، لدواعي "المحافظة على المصلحة العليا للقبيلة والفخذ"، لا لشيء إلا لتأمين استمرار هيمنة أولئك البارونات على المشهد المحلي والمضاربة بنتائج تلك الهيمنة في سوق المناصب بنواكشوط.

في بعض مناطق البلاد الأخرى، تتستر القبائل خلف بعض الأنشطة الثقافية أو تحت غطاء منظمات المجتمع المدني أو الأحلاف السياسية، غير أن القبيلة   في ولاية لعصابه تشهر بوجهها الدميم، سواء في المدن الكبيرة أو في القرى النائية، فتعقد مؤتمراتها السنوية تحت لافتات كتبت بالخط العريض وتحت صخب مكبرات صوت ترفع منها الشعارات والمدائح القبلية وهنا تجدد هياكلها و تدرس شؤونها وترتب أمور صندوقها المالي ويجري ذلك من دون أدنى احترام للسلطات العمومية ولا لتعليماتها المتعلقة بحظر التجمعات ذات الطابع القبلي، وما ورد في خطابات  رئيس الجمهورية في الحوض الشرقي الذي يبدو أن   الجميع تناساه عن سبق إصرار أو قرر الدوس عليه وهو في مأمن من أية عقوبة.

يتصور الزائر لولاية لعصابه هذا الخريف ، أنه في فترة ما قبل الدولة أو على الأقل في فترة الاستعمار، حيث مواسم "الحصرات" للتباهي بوفرة أعداد القبيلة وممتلكاتها، وحيث البذخ الكاذب والكرم الزائف، الذي لا تستفيد منه على الأقل القاعدة العريضة للقبيلة  والتي ليس لها سوى الاستغلال والنظرة الاستعلائية من طرف أسياد وشيوخ وحاشيات، يضنون على من يستغلونهم حتى بالشعور بالأسى على ما يكابدونه من مشقة في سبيل تحصيل لقمة العيش.

تسمع طبول القبائل اليوم في كل مكان من ولاية لعصابه ويملأ غبار سياراتها  كل الفضاء، في تحد سافر للدولة لكن أيضا في استهزاء دنيء بمشاعر أغلبية سكان الولاية المتروكين للاهمال في ظل ظروف حياة تزداد قساوتها يوما بعد يوم بوتيرة تجاوزت بكثير قدرة المواطن على التحمل وحولته إلى كتلة من القلق والخوف على حاضره ومستقبل أبنائه.

يحدث ذلك على مرأى الوالي الذي هو أعلى سلطة في الولاية فلا يبالي ؛ مفضلا زيارات استعراضية للمدارس وتسجيل حضور في النشرات الرسمية المسائية.

من يستطيع أن ينكر اليوم أن آلاف المواطنين في الولاية محرومون حتى من الحصول على جرعة ماء صالحة للشرب؟ وأن أكثر منهم محرومون من الحصول على خدمات حساسة مثل التعليم والدواء؟ ومن الذي داخل الولاية لا يتأثر اليوم بمطاردة أسعار تحول حياته وحياة ذويه إلى جحيم؟ حتى خدمات الكهرباء توقفت بطريقة مخزية عن من كانوا يحصلون عليها! والأوساخ والنفايات حولت المدن إلى مكان خطر لا يمكن العيش فيه.

والأسوأ من كل ذلك أنه في الوقت الذي تدق فيه طبول القبائل، تنتشر الملاريا القاتلة بشكل واسع وتنضاف إليها أنواع أخرى من الحميات والأمراض الخطرة، كما يطل الجفاف برأسه في سنة تناقصت أمطارها بشكل يهدد  الثروة الحيوانية التي تشكل المصدر الأساسي لعيش السكان.

لن يتحدث أطر و أسياد القبائل عن أي شيء من كل ذلك بالتأكيد ولن يقدموا أي حل لأي من المشاكل المطروحة، لأن مهمتهم محددة بشكل دقيق، ولأن التجربة أثبتت لهم أن عقار العاطفة القبلية ما يزال كاف لتخدير البؤساء وأن أي تحسن في ظروفهم المادية والمعنوية قد يعجل بخروجهم من حظيرة الاستغلال والامتهان.

ما يهم وجهاء النخاسة أن تمتلئ صناديق الاقتراع خلال  أي انتخابات لمصلحتهم وأن يعودوا بعد ذلك إلى مناصبهم في العاصمة نواكشوط كنواب ووزراء ومدراء ورجال أعمال وقطط سمان يعيثون في الأرض فسادا . أما باقي سكان الولاية المستكينين لهذا الوضع المهين، فلن يكون نصيبهم أكثر من اجتماعات قبلية  وأحاديث زائفة عن الأخوة والأهلية والتاريخ المشترك!

والسؤال الذي يتكرر على الدوام في مثل هذه المواسم هو: أما آن للدولة أن تحمي مستقبل البلد  من سطوة القبائل  و بارونات الفساد والجشع والفشل؟ أو بصفة أصح: أما آن للسكان أن يفهموا لعبة وجهاء القبائل ليوقفوهم عند حدودهم وأن يتركوا للقبيلة هامشها في المودة وصلة الرحم دون إقحامها في الشأن العام للأمة ، أملا في كسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها الولاية؟

الشيخ أحمد مودي مدير وكالة كيفه للأنباء 

أربعاء, 07/10/2026 - 11:53

تابعونا

fytw