كيف نعبر الحياة من غير أن تسرق الطريق أرواحنا، وأن نأخذ نصيبنا من الفرح من دون أن نفقد ذلك الصوت الخافت المنبعث من أعماقنا؟
قد نفتتح الصباح بصلاة، ونودّع المساء بأخرى، ثم نمضي مطمئنين، مع أن في كل طمأنينة شيئًا من القلق، وفي كل فرح خوفًا صغيرًا من زواله. فالحياة توتر دائم بين ما نحن عليه وما نريد أن نكونه، وبين ما نملك وما نفتقده. وليس التوتر عدوًا دائمًا؛ فقد يكون رسالة لم نتعلم بعد كيف نقرأها، أو نداءً خفيًا يدعونا إلى العودة إلى ذواتنا. وإذا تعذّر علينا الفرار منه، أفلا يمكن أن نجعله يمشي إلى جانبنا بدل أن يمتطينا؟ لعل القلق، حين نصغي إليه، ليس إلا ظلًا لسؤال أعمق عن معنى وجودنا.
وأين ينتهي الجسد وتبدأ الروح؟ نحن ذلك السر العجيب الذي تختلط فيه المادة بالشعور، حتى لا نعود نعرف أيّهما يحمل الآخر. وربما لم يكن الإنسان جسدًا تسكنه الروح، ولا روحًا عابرة في جسد، بل كائنًا واحدًا تتجلى فيه وحدة المرئي والخفي، والتراب والنور.
وقد تبدأ السكينة من أشياء صغيرة: كأس ماء، أو لقمة خفيفة، أو قطعة شوكولاتة تمنح اللحظة مذاقًا أقل مرارة. ولسنا بحاجة دائمًا إلى أسباب عظيمة كي نشعر بأن الحياة أصبحت أخف وطأة؛ فقد يختبئ المعنى في أبسط الأشياء، كما يختبئ البحر في قطرة، وكما قد يفتح فعل صغير بابًا واسعًا نحو الامتنان.
ولماذا نخفي دموعنا ونخجل من مشاعرنا؟ من أقنعنا بأن العين التي تبكي مهزومة، وأن الصدق ضرب من الضعف؟ الدموع، أحيانًا، كلام سائل حين تعجز الكلمات، والبكاء قد ينقذ القلب من حمل أثقل من أن يحتمل. فالقوة ليست ألّا نشعر، بل أن نشعر من غير أن ننهار، وأن نسمح لما يؤلمنا بأن يمر فينا دون أن يتحول إلى قسوة.
تكون نظرة الناس أحيانًا أقسى من الألم نفسه؛ يستطيع الإنسان احتمال جرحه، لكنه لا يحتمل دائمًا أن يراه الآخرون مجروحًا. لذلك نصنع الأقنعة ونقول: نحن بخير، بينما يسقط بعضنا في مكان لا تراه العيون. وحين يبلغ إنسان حافة اليأس، لا ينبغي أن نسأل لماذا ضعف، بل لماذا تركناه وحيدًا حتى غدا ضعفه أقوى منه. فالهشاشة ليست عارًا، وبعض الشقوق هي التي تسمح للنور بالتسلل. وربما كان اليأس، في أقصى عتمته، طلبًا أخيرًا لأن يلمس أحدهم يد الإنسان ويقول له: لست وحدك.
الحب والسعادة
ثم يأتي الحب… ولكن ما الحب؟ أهو أن نجد شخصًا، أم أن نجد أنفسنا في شخص آخر؟
أتذكر تلك الفتاة التي كانت تكتب إليّ بحثًا عن السعادة، وكأنها رجل ينتظرها في مكان ما. كانت تريد حبًا ينتهي بالزواج، ثم كتبت يومًا: «وجدت رجل حياتي».
لكن هل للقلب وطن أخير؟ أم أن في الإنسان شيئًا يظل مسافرًا حتى بعد أن يصل؟ نشتاق إلى المرفأ ونحن في البحر، ثم نشتاق إلى البحر حين نبلغ المرفأ. نطلب الاستقرار فنشعر أحيانًا أنه قيد، ونطلب الحرية فنخاف وحدتها. وربما كان الحب طريقًا لا إلى امتلاك الآخر، بل إلى اكتشاف اتساع الروح حين تخرج من سجن الأنا.
ومتى يتحول الحب إلى امتلاك؟ هل نحب الآخر كما هو، أم نحب الصورة التي رسمناها له؟ تبدأ العلاقات بدهشة، وتنتهي أحيانًا بحساب؛ تتحول النظرة إلى عادة، والكلمة إلى واجب، واللقاء إلى برنامج يومي. فهل يموت الحب لأن القلب توقف عن الحب، أم لأنه توقف عن الدهشة؟ إن الدهشة قدرة الروح على أن ترى في المألوف سرًا جديدًا، وأن تظل شاكرة للحضور بدل أن تعتبره حقًا مكتسبًا.
ثم يدخل المال من الباب، فيكشف أحيانًا ما تخفيه القلوب. وحين يصبح الحب مثقلًا بالفواتير والواجبات والانتظارات، قد يتحول إلى مفاوضات طويلة حول الحياة. وقد تبدأ الأزمات من المال، أو لا يفعل المال سوى كشف أزمات كانت نائمة. وحين ينكسر البيت، يحمل الأطفال شظاياه إلى مدارسهم وأحلامهم وعلاقاتهم المقبلة. فهل يمكن لبيت مضطرب أن يترك مجتمعًا مطمئنًا؟ أم أن كل بيت خلية في جسد العالم، وأن ما لا نداويه في الداخل يعود يومًا ليظهر في الخارج؟
ولكن، ما السعادة؟ أهي امتلاك ما نريد، أم أن نُحَب، أم أن نحب؟ قد نمتلك ونظل فارغين، وقد يحبنا العالم كله ولا نحب أنفسنا، أو يتحول الحب إلى خوف دائم من الفقد. لعل السعادة تكمن في المصالحة بين القلب والعقل، وبين الرغبة والحكمة، وبين الحلم والحقيقة. وربما ليست حالة دائمة، بل لحظات صفاء ندرك فيها أن وجودنا، رغم نقصه، ليس بلا معنى، وأن النعمة قد تكون في القدرة على رؤية ما بين أيدينا قبل أن نطالب بما ليس لنا.
الإيمان والرحمة والعلاقات
وأين يكون الله في كل هذا الضجيج؟ الصلاة ليست استراحة من العالم فحسب، بل عودة إلى المعنى. وحين نسجد، تصغر الأشياء التي بدت عظيمة، ويستعيد القلب حجمه الحقيقي أمام اتساع الوجود. غير أن الصلاة لا تكتمل إن لم تغيّر علاقتنا بالآخرين؛ فلا معنى لطلب الرحمة مع التضييق بها على الناس.
لو أحببنا للآخرين ما نحب لأنفسنا، لاختصرنا قدرًا هائلًا من معنى الدين. فالسلام مع النفس بداية للسلام مع الناس، ولا يطمئن مجتمع يحمل أفراده حروبهم في الداخل. وربما كان الإيمان الحقيقي أن يتحول ما نقوله في الخلوة إلى رحمة تمشي بين الناس، وأن يصبح السجود تواضعًا في المعاملة، لا حركة تؤدى ثم تنتهي.
ثم المرأة… هي أم وأخت وزوجة، وأول وطن يتعلم الطفل فيه معنى الأمان. فإذا اضطرب الوطن الأول، فأين يتعلم الطمأنينة؟ وإذا كانت المرأة تصنع جانبًا من ذاكرة البيت، فمن يصنع طمأنينتها ويسأل عن تعبها؟
ثم ماذا عن الرجل؟ من يمنحه الحق في أن يتعب، ومن علّمه أن القوة تعني الصمت؟ ألسنا، رجالًا ونساءً، أسرى صور صنعناها ثم نسينا أننا نحن الذين صنعناها؟ وربما لا تتحرر الروح إلا حين نسمح للإنسان بأن يكون إنسانًا قبل أن يكون رجلًا أو امرأة، وأن نعترف بأن الضعف المشترك ليس نقصًا، بل جسرًا يصل بعضنا ببعض.
ولماذا نكون لطفاء مع الغرباء وقساة مع الذين نحب؟ نشكر الغريب على خدمة صغيرة، ونعدّ ما يفعله القريب واجبًا لا يستحق كلمة امتنان. لقد تعلمت آمي ساذرلاند من مدربي الحيوانات أن السلوك الجميل ينمو حين نعترف به، وأن الثناء قد يصلح ما لا يصلحه العتاب، وأن الآخر لا يحتاج دائمًا إلى من يصححه، بل إلى من يراه.
فلماذا نحفظ أخطاء من نحب وننسى محاسنهم؟ ولماذا نحول بيوتنا إلى محاكم صغيرة؟ إن العلاقة التي ينتصر فيها أحد الطرفين وتنکسر فيها روح الآخر ليست علاقة ناجحة. لذلك نحتاج إلى المصاحبة بدل السيطرة، والاحتواء بدل الإخضاع، والرفق بدل الإصرار على الكلمة الأخيرة؛ فما قيمتها إذا جاءت بعد موت الحوار؟ إن الرحمة امتحان يومي في أقرب الدوائر إلينا، وقد يكون أعمق الحب أن نرى ضعف الآخر دون أن نستعمله ضده، وأن نمنحه مساحة ليخطئ ويتعلم ويعود إلى نفسه.
وتبقى الثقة أساسًا لكل بيت وحب وصداقة وتربية ووطن. تحتاج إلى سنوات كي تُبنى، وإلى لحظة واحدة كي تتصدع. يعيدها الاعتذار والوقت والصدق، غير أن الصدق هو البداية فقط. يكون ثقيلًا أحيانًا، بينما يبدو الكذب خفيفًا في لحظته؛ لأنه يستعير راحته من المستقبل، ثم يترك له الدين.
وإذا كان الصادق رابحًا، كما في الحكمة المنسوبة إلى الإمام علي، فلماذا يبدو طريق الصدق طويلًا إلى هذا الحد؟ ربما لأن الصدق لا يمنحنا دائمًا ما نريد، لكنه يعيد إلينا ما هو أثمن: انسجامنا مع ذواتنا. فالإنسان قد يخسر موقفًا حين يصدق، لكنه لا يخسر نفسه، ومن خسر نفسه فلن تنقذه كل المكاسب.
الحقيقة والطريق
ولكن… ما الحقيقة؟ هل هي ما نراه، أم ما نريد أن نراه؟ وهل تحتاج كل الأسئلة إلى أجوبة، أم أن بعضها خُلق ليظل نافذة مفتوحة؟ لعل الحقيقة ليست حجرًا نضع اليد عليه، بل نورًا يقترب كلما تخلينا عن وهم امتلاكه. وربما كان السؤال الصادق شكلًا من أشكال العبادة، لأنه يوقظ فينا التواضع أمام ما لا نعرف.
وفي آخر الطريق، ماذا نريد من الحياة؟ أن نكون سعداء ومطمئنين، وأن نُحَب ونُفهَم ونترك أثرًا، أم يكفينا أن نعبرها من دون أن نفقد أنفسنا؟
نحاول أن نوازن بين القلب والعقل، والحب والحرية، والقرب والمسافة، وحقنا في أنفسنا وحق الآخرين فينا، وبين صخب الأرض ونداء السماء. لكن هل يوجد هذا التوازن أصلًا، أم أننا نطارده كما يطارد المسافر الأفق؟
وربما لا ينبغي لنا أن نصل. فالحياة ليست في بلوغ التوازن، بل في البحث الطويل عنه. وإذا كان السؤال هو الذي يدفعنا إلى الطريق، فلماذا نستعجل الجواب؟ لعل الإنسان لا يُقاس بما امتلك من يقين، بل بما حمل من أسئلة دون أن يفقد قدرته على الحب. ولعل الطريق، بكل ما فيه من تعب وضياع ولقاءات، هو المكان الذي تتعلم فيه الروح كيف تعود إلى أصلها.
محمد فؤاد برادة
المصدر الأصلي: La Tribune، العدد 467
نُشر هذا النص في الأصل ضمن عموده «أصداء لا تريبون»، ثم أعادت نشره أو تداولته منصات مثل بولومبال وكريدم. ويعود تاريخ نشره الأول إلى نحو سنة 2008.