خلال اليومين الماضيين، شهدت وسائل التواصل الاجتماعي في موريتانيا موجة من التعليقات والمنشورات التي طالت الحياة الشخصية لشخصيات عامة، من بينها ما تردد بخصوص النائب جميلة بنت النهاه، في سياق أوسع يعكس ظاهرة متكررة: تحول بعض المدونين ومستخدمي المنصات من النقد السياسي أو المهني المشروع إلى الخوض في خصوصيات الأفراد وأعراضهم.
هذه الظاهرة تستحق وقفة تحليلية جادة، بعيدا عن الانجرار وراء تفاصيل واقعة بعينها أو غيرها من الوقائع السابقة التي تضج بها وسائل التواصل الاجتماعي.
من النقد المشروع إلى التشهير
هناك فرق جوهري بين محاسبة الشخصيات العامة على أدائها الوظيفي أو مواقفها السياسية، وبين اقتحام حياتها الخاصة، فالأول حق مكفول في أي مجتمع ديمقراطي، بل هو ركيزة من ركائز الرقابة الشعبية على من يتولون الشأن العام،أما الثاني فهو تجاوز يخرج عن نطاق حرية التعبير ليدخل في باب القذف والتشهير، سواء تعلق الأمر بشخصية اعتبارية كنائب أو مسؤول، أو بمواطن عادي لا صفة عامة له.
المعضلة أن الخط الفاصل بين الاثنين بات، في بيئة التواصل الاجتماعي، رفيعا جدا وسهل الاختراق. فتحت غطاء "حرية الرأي" أو "الفضح الصحفي"، يجد كثيرون في أنفسهم مبررا للولوغ في تفاصيل شديدة الخصوصية: العلاقات الأسرية، السلوك الشخصي، الشائعات غير المؤكدة، بل وأحيانا معلومات ملفقة بالكامل.
لماذا تتفشى هذه الظاهرة؟
عدة عوامل تغذي هذا النمط من المحتوى:
غياب الرقابة الفعلية: كثير من المنصات، وخصوصا الحسابات غير الموثقة، تعمل دون مساءلة تُذكر، ما يشجع على التمادي.
اقتصاد الإثارة: خوارزميات المنصات تكافئ المحتوى المثير للجدل بمزيد من الانتشار، فيصبح التشهير أداة لجذب المشاهدات والمتابعين.
الاستقطاب السياسي والقبلي: في سياقات كالسياق الموريتاني، حيث تتشابك الانتماءات القبلية والجهوية بالسياسة، يتحول الخصوم أحيانا إلى أدوات لتصفية الحسابات عبر تشويه السمعة بدل المنافسة على البرامج والمواقف.
ضعف الثقافة القانونية: كثير من ناشري هذا المحتوى لا يدركون أن ما ينشرونه قد يشكل جريمة يعاقب عليها القانون، سواء كان ذلك في إطار قوانين الجرائم الإلكترونية أو القوانين العامة المتعلقة بالقذف والسب.
الأثر على الضحايا وعلى الفضاء العام
هذا النوع من الاستهداف لا يضر فقط بالشخص المعني، الذي قد يتعرض لأذى نفسي واجتماعي حقيقي يطال أسرته أيضا، بل يضر بجودة النقاش العام برمته. فحين يتحول الفضاء الرقمي إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية، يتراجع النقاش حول القضايا الجوهرية: الأداء البرلماني، السياسات العامة، المحاسبة على القرارات. كما أن هذا المناخ قد يُنفّر الكفاءات، وخصوصا النساء، من الانخراط في العمل العام خشية التعرض لحملات تشهير تستهدف حياتهن الخاصة بدل تقييم أدائهن.
سبل المواجهة
مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة متعددة المستويات:
الإطار القانوني: تفعيل القوانين المتعلقة بالتشهير والقذف عبر الإنترنت بشكل عادل ومتوازن، بحيث تحمي الأفراد دون أن تُستخدم لكم أفواه النقد المشروع للمسؤولين.
مسؤولية المنصات: الضغط باتجاه آليات إبلاغ وإزالة محتوى أكثر فعالية للمحتوى الذي ينتهك الخصوصية.
الوعي المجتمعي: تعزيز ثقافة رقمية تميز بين النقد البناء والتشهير الشخصي، وتحمّل كل مستخدم مسؤولية ما ينشره أو يعيد نشره.
مسؤولية الإعلام التقليدي: عدم الانجرار وراء الشائعات المتداولة في الفضاء الرقمي وتبنيها دون تحقق، لأن ذلك يمنحها شرعية إضافية.
خلاصة
حرية التعبير قيمة أساسية، لكنها ليست غطاء مطلقا لانتهاك كرامة الأفراد وخصوصياتهم. التمييز بين المساءلة العامة المشروعة والتشهير الشخصي المؤذي هو ما يحدد ما إذا كانت المنصات الرقمية أداة لتعزيز الشفافية والمحاسبة، أم ساحة لتصفية الحسابات وتدمير السمعة.
وموريتانيا، كغيرها من المجتمعات التي تشهد توسعا سريعا في استخدام هذه المنصات، مطالبة بأن تطور أدواتها القانونية والمجتمعية لمواكبة هذا التحول، قبل أن يتحول الفضاء الرقمي من نافذة للحوار إلى ساحة دائمة للأذى.