اطلعنا في موقع لمسيله على بيان المندوب الجهوي للتجارة والسياحة في لعصابة، الصادر بتاريخ 18 سبتمبر 2026، والذي جاء رداً على تقرير صحفي نشرته وكالة لمسيله ميديا في نفس اليوم تناول وضعية الرقابة على المواد الغذائية المنتهية الصلاحية في أسواق مدينة كيفه.
ونحن، إذ نلزم أنفسنا بحق الرد، فإننا نؤكد أن نشر البيان وما تضمنه من اتهامات وتوصيفات تمس مهنية الموقع يفرض علينا توضيح جملة من النقاط، ليس دفاعاً عن تقريرنا فحسب، وإنما حرصاً على وضع الأمور في نصابها، وتصحيح ما ورد في بيان المندوبية من خلط بين النقد الصحفي المشروع وبين الاتهام، وبين مساءلة الجهات الرقابية وبين التشكيك في جهودها.
إننا نذكّر المندوبية بأن دور الصحافة ليس أن تحل محل أجهزة الرقابة، ولا أن تقوم مقام المفتشين والمراقبين، وإنما يتمثل أحد أدوارها الأساسية في نقل انشغالات المواطنين، وإثارة القضايا التي تهم المصلحة العامة، وطرح الأسئلة على الجهات المسؤولة.
أما القول إن الحديث عن وجود مواد منتهية الصلاحية في الأسواق يوجب على الصحفي أو المواطن الذي رصدها أن يتقدم ببلاغ جنائي، فهو محاولة لنقل مسؤولية الرقابة من الجهة المكلفة بها إلى المواطن والصحافة. وإذا كانت المندوبية ترى أن هذه المواد لا وجود لها في الأسواق، فالأجدر بها أن تقدم للرأي العام المعطيات والنتائج الميدانية التي تثبت ذلك، لا أن تلوّح بالمسؤولية الجنائية.
والأهم من ذلك أن البيان نفسه يقدم الدليل الذي يدحض منطقه؛ إذ أقرت المندوبية بأنها صادرت خلال سنة 2026 ما مجموعه 97 طناً من مختلف المواد الغذائية ومستحضرات التجميل والأدوية غير الصالحة للاستهلاك.
فإذا كانت هذه الكميات الكبيرة قد وصلت بالفعل إلى الأسواق والمخازن والمحلات قبل ضبطها ومصادرتها، فإن السؤال الصحفي المشروع لا يتعلق بما إذا كانت فرق الرقابة تقوم بعمليات مصادرة، وإنما يتعلق أيضاً بـ كيفية وصول هذه المواد إلى المستهلك، ومدة بقائها في الأسواق، وحجم ما تم ضبطه مقارنة بما هو موجود فعلياً، ومدى فعالية الرقابة الوقائية قبل وصول المواد غير الصالحة إلى يد المستهلك.
وهنا تبرز مسألة أخرى لا يمكن تجاهلها عند تقييم أداء أي جهاز رقابي، وهي حجم الإمكانات البشرية واللوجستية المتاحة له مقارنة بحجم المهمة الموكلة إليه.
فبحسب المعطيات المتداولة محلياً، تعمل المندوبية الجهوية في لعصابة بإمكانات محدودة، من بينها سيارة واحدة وطاقم محدود من المفتشين، في حين تمتد مسؤوليتها على ولاية تضم خمس مقاطعات ومئات الأسواق والمحلات ونقاط البيع.
وهنا يطرح المواطن، ومن حقه أن يطرح، سؤالاً بسيطاً ومشروعاً: كيف يمكن لطاقم محدود، وبوسائل نقل محدودة، أن يضمن تغطية رقابية منتظمة وفعالة لمجال جغرافي بهذا الاتساع، وأن يراقب مئات الأسواق والمحلات بصورة مستمرة؟
إن مصادرة 97 طناً تستحق التنويه إذا كانت ثمرة عمل رقابي جاد، لكنها في الوقت ذاته ليست دليلاً على انتفاء المشكلة، بل تؤكد بصورة واضحة أن مواد غير صالحة للاستهلاك كانت موجودة بالفعل في دائرة التداول، وأن أجهزة الرقابة تمكنت من ضبط جزء منها.
كما أن التقرير الصحفي لم يتهم موظفي المندوبية بعدم القيام بأي عمل، ولم ينكر جهود فرق الرقابة، وإنما أثار تساؤلات حول مدى انتشار ظاهرة المواد المنتهية الصلاحية في الأسواق، وهي تساؤلات مشروعة ومطروحة من المواطنين قبل أن تطرحها الصحافة.
أما حديث البيان عن أن التقرير «متناقض وغير منسجم» لأنه أشار إلى مصادرة مواد منتهية الصلاحية وفي الوقت نفسه تحدث عن وجودها في الأسواق، فهو استنتاج غير سليم؛ إذ لا يوجد أي تناقض بين الأمرين. وجود عمليات مصادرة يعني ببساطة أن مواد منتهية الصلاحية أو فاسدة كانت موجودة وأن الرقابة ضبطت بعضها، ولا يعني بالضرورة أن جميع المواد المخالفة قد اختفت من الأسواق.
وكان بإمكان المندوبية أن ترد على التقرير بالأرقام: عدد عمليات التفتيش، وعدد المحلات التي تمت معاينتها، والكميات المصادرة، وعدد المخالفات، والإجراءات المتخذة بحق المخالفين، ومدى انتظام عمليات التفتيش، بدلاً من إصدار أحكام على مستوى الصحافة المهنية واتهامها بعدم احترام «عقل المواطن».
أما وصف التقرير بأنه يعكس «انحطاط المستوى المهني» و«عدم احترام عقل المواطن»، فهو خطاب لا يليق بجهة إدارية يفترض أن تتعامل مع النقد الصحفي باعتباره جزءاً من النقاش العام، لا باعتباره خصومة شخصية.
ونحن في لمسيله لا ندعي أن كل ما يقال عن الأسواق صحيح، ولا ندعي أن كل ملاحظات المواطنين تمثل حقائق نهائية؛ لكننا نؤكد حقنا في طرح الأسئلة والتحقيق في القضايا التي تمس صحة المواطنين ومصالحهم، كما نؤكد استعدادنا لنشر أي معطيات أو وثائق رسمية موثقة تقدمها المندوبية بشأن الموضوع.
فالصحافة لا تُلام لأنها تسأل، والجهات الرقابية لا تُدان لمجرد تعرضها للنقد؛ وإنما الفيصل بين الطرفين هو الوقائع والأرقام والشفافية.
ومن هذا المنطلق، يبقى السؤال قائماً:
إذا كانت مصادرة 97 طناً من المواد غير الصالحة للاستهلاك خلال عام واحد تثبت فعالية الرقابة كما تقول المندوبية، فمن أين جاءت هذه الكميات أصلاً، وكم من المواد المماثلة تم اكتشافها قبل وصولها إلى المستهلك، وما الإجراءات التي اتخذت بحق المخالفين؟
هذه هي الأسئلة التي ينتظر المواطن إجابات عنها، بعيداً عن لغة التجريح والاتهام.