تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

عزيز برادة: الشريف الفاسي الذي أسهم في بناء قرية ساني بريف كنكوصه

تمثل سيرة المرحوم عزيز برادة صفحة مميزة من تاريخ التواصل الإنساني والروحي والاقتصادي بين المغرب وموريتانيا. فقد قدم من مدينة فاس وهو فتى صغير، ثم أصبح تاجرًا ناجحًا ورجلًا اقتصاديًا واجتماعيًا ارتبط اسمه بالزراعة والتنمية ومساعدة السكان، وأسهم بمشروعه الرائد في نشأة مدينة ساني واستقرار أهلها.

وقد حفظت الذاكرة المحلية في ساني مكانة هذا الرجل وأعماله. ففي منشور بعنوان «محطات ونبذة»، محرر بتاريخ 21 يونيو 2022، وصفته صفحة «شباب ساني» بأنه «الرجل الأبي الكريم ابن الكرام»، وأشادت بمشروعه الزراعي باعتباره منشأة ومعلمة تاريخية تستدعي التثمين والتعريف بها للأجيال.

مولده وأسرته

وُلد عبد العزيز، المعروف بعزيز برادة، سنة 1925 بمدينة فاس المغربية، في أسرة عريقة ارتبطت بالتجارة والتصوف والطريقة التجانية.

وهو ابن محمد برادة، المعروف بحمّاد برادة، الذي كان تاجرًا ميسورًا ومتصوفًا تجانيًا، كثير التنقل بين المغرب وموريتانيا ومالي والسنغال. وكانت رحلاته تجمع بين النشاط التجاري والصلات الروحية التي ربطت مدينة فاس ببلاد شنقيط وغرب إفريقيا.

وتفيد الرواية العائلية بأن حمّاد برادة كانت له صلة بالشيخ حماه الله، وأنه كان يزوره في المجال الموريتاني والمالي. ويذكر منشور «شباب ساني» أن والد عزيز كانت له مكانة في الطريقة التجانية بمدينة فاس، وأنه قدم إلى المنطقة بدعوة من الشيخ حماه الله مصطحبًا ابنه عزيز، الذي كان حينها فتىً يبلغ نحو ست عشرة سنة.

وبحسب المنشور، عاد حمّاد برادة بعد ذلك إلى فاس، بينما بقي عزيز في موريتانيا، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته. وبذلك كان حمّاد برادة حلقة الوصل الأولى بين ابنه عزيز والمجال الموريتاني–المالي.

أما سلسلة الأجداد القريبين، فبحسب شهادة السيدة زبيدة بنت عزيز برادة، فهي:

عزيز بن محمد المعروف بحمّاد، بن الطيب، بن جيدة برادة.

نسبه الشريف

ينتمي عزيز برادة، بحسب مجمل المعطيات العائلية والشهادات المستقلة المتوفرة، إلى آل برادة الأشراف الحسنيين، ويتصل نسب فرعه بالإمام الحسن المثنّى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكانت لدى عزيز برادة وثيقة عائلية قديمة تتضمن أسماء أجداده وعمود نسبه الشريف. وقد ضاعت النسخة التي كانت محفوظة في موريتانيا بعد وفاته، غير أن وجودها ومضمونها العام لم يُنقلا عن طريق رواية فردية واحدة، بل تؤكدهما إفادات متعددة صادرة عن أفراد من الأسرة وشهود من خارجها.

ومن أبرز هذه الإفادات شهادة رجل التقى به أحد أحفاد عزيز برادة في المسجد، فقال له:

«هل تعلم أنك شريف؟ لقد اطلعت على وثيقة النسب التي كانت عند جدك».

وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كون صاحبها صرح بأنه عاين وثيقة النسب بنفسه.

كما أكد السيد إبراهيم ولد العابد، في شهادة شفوية مستقلة، أن عزيز برادة قدم من المغرب، وأنه كان معروفًا ومأثورًا في محيطه أنه شريف. وقد عاصر وجوده في كنكوصة خلال الفترة الممتدة من سنة 1967 إلى بداية سنة 1970، ووصفه بأنه كان تاجرًا يمتلك دكاكين وتحيط به جماعته وأقاربه.

وتتوافق هذه الإفادات مع ما هو متداول في مدينة فاس بشأن شرف آل برادة، ومع مصدر مغربي منشور أدرج اسم الأسرة ضمن الأسر المغربية المنتمية إلى السلالات الشريفة.

وبناءً على مجموع هذه المعطيات، فإن وصف عزيز برادة بالشريف الحسني يستند إلى رواية عائلية قديمة، ووثيقة نسب كانت موجودة وشاهدها أشخاص من خارج الأسرة، وشهادات مستقلة متداولة في الوسط الذي عاش فيه. أما أسماء حلقات عمود النسب بين جيدة برادة والحسن المثنّى، فيظل استكمالها مرتبطًا بالعثور على نسخة أخرى من المشجر لدى أحد فروع آل برادة في المغرب.

قدومه إلى موريتانيا

قدم عزيز برادة من فاس وهو في نحو السادسة عشرة من عمره، أي قرابة سنة 1941، في سياق الصلات التي كانت تربط والده بالشيخ حماه الله.

وقد اختار عزيز البقاء في موريتانيا، ثم ازداد ارتباطه بأهلها وأرضها حتى أصبحت وطنه الذي عاش فيه، وبنى مشاريعه، وربّى أبناءه، وأوصى بأن يُدفن في ترابه.

وينقل منشور «شباب ساني» عنه قوله مخاطبًا أهل المنطقة وعماله:

«ساني وطني، وهؤلاء أبنائي».

وتكشف هذه العبارة عن عمق العلاقة التي ربطته بالمجتمع المحلي؛ إذ لم ينظر إلى نفسه بوصفه تاجرًا وافدًا يبحث عن الربح، بل بوصفه فردًا من مجتمع أصبح مسؤولًا عن الإسهام في بنائه وخدمة أبنائه.

محطاته التجارية

عُرف عزيز برادة بكونه تاجرًا ناجحًا ورجلًا اقتصاديًا طموحًا. وكانت له دكاكين في عدد من المناطق الموريتانية، من بينها:

- كنكوصة؛
- امبود؛
- لحرج.

وتؤكد شهادة إبراهيم ولد العابد وجوده التجاري في كنكوصة بين سنة 1967 وبداية سنة 1970، وأنه كان صاحب دكاكين وتربطه علاقات بعدد من سكان المنطقة وأعيانها.

ولم يقتصر نشاطه على التجارة، بل عمل كذلك في مجال تنمية الثروة الحيوانية، ولا سيما تربية الأبقار والأغنام. وقد جمع بذلك بين التجارة والزراعة والإنتاج الحيواني، مما يدل على خبرته الاقتصادية وقدرته على التكيف مع طبيعة المنطقة واحتياجات سكانها.

مشروع ساني الزراعي

يُعد مشروع ساني الزراعي أبرز الأعمال التي ارتبطت باسم عزيز برادة. فقد أنشأه في مطلع سبعينيات القرن العشرين، واهتم فيه بزراعة الخضروات والموز والفواكه وغيرها من المنتجات الزراعية.

وقد وصفت صفحة «نادي تجكجه الثقافي والرياضي ببلدية ساني» المشروع بأنه كان لبنة الأساس لتأسيس مدينة ساني، ومصدرًا للعمل والرزق بالنسبة إلى سكانها الأوائل. كما وصفته صفحة «شباب ساني» بأنه مشروع مثالي ومعلمة تاريخية تستحق التثمين والإشادة.

ولم تكن إقامة مشروع زراعي في بيئة صحراوية خلال تلك المرحلة أمرًا يسيرًا؛ فقد كانت تتطلب الجرأة والإمكانات المالية والقدرة على التنظيم ومواجهة ندرة المياه وصعوبة النقل وبعد الأسواق.

وتذكر الشهادات المحلية أن عزيز برادة كان يدفع أجور العمال من ماله الخاص مدة ثلاث سنوات، بما يدل على أن المشروع لم يكن مجرد استثمار قصير الأمد، بل كان مبادرة تنموية تحمل صاحبها جانبًا كبيرًا من تكاليفها من أجل استمرارها واستفادة السكان منها.

كما تعاون مع بعض المنظمات العاملة في مجالي التنمية والزراعة، وأسهم، إلى جانب رجال التأسيس من مختلف مكونات المجتمع، في نشأة التجمع الذي تطور لاحقًا إلى بلدية ساني.

ومن ثم، لم تقتصر أهمية المشروع على مردوده الزراعي، بل امتدت إلى توطين السكان وتوفير فرص العمل وخلق نواة اقتصادية واجتماعية أسهمت في قيام المدينة.

العلاج والصيدلية المجانية

تكشف الشهادات المحلية عن جانب إنساني آخر من شخصية عزيز برادة؛ فقد كانت لديه معرفة بالتمريض والعلاجات الأولية، وكانت عنده أدوية يقدمها مجانًا للمرضى.

وقد وصف منشور «شباب ساني» ما كان يقدمه بأنه طب وصيدلية مجانية، يقصدها سكان ساني والقادمون من ضواحيها طلبًا للعلاج. وعُرف بمهارته في التمريض واستعداده لمساعدة المرضى دون مقابل.

وتبرز أهمية هذه الخدمة عند استحضار محدودية المرافق الصحية في المنطقة آنذاك وصعوبة الوصول إلى العلاج. وهكذا لم تعتمد مكانة عزيز في المجتمع على ثروته ومشاريعه فحسب، بل قامت كذلك على قربه من الناس واستعداده لخدمتهم في أوقات الحاجة.

أخلاقه ومكانته الاجتماعية

عُرف عزيز برادة بنبل أخلاقه وطيبة قلبه وكرمه وحبه للعمل. وكان رجلًا مرحًا يشجع الشباب على الكسب والزراعة وتحمل المسؤولية وبناء الأسرة.

وقد وصفته صفحة نادي تجكجه بأنه رجل عُرف بنبل أخلاقه وطيبة قلبه، وربطت بين نجاح أحد أحفاده وبين بيت عُرف بالفضل والسمعة الطيبة.

وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة؛ لأنها لا تصدر عن أفراد أسرته، بل عن مؤسسة ثقافية ورياضية تمثل جزءًا من المجتمع الذي عاش فيه. وهي تؤكد أن أثره تجاوز الجانب الاقتصادي إلى المكانة الأخلاقية والاجتماعية.

وصيته ومكان دفنه

بلغ ارتباط عزيز برادة بموريتانيا حدّ أن أوصى في وثيقة مكتوبة بأن يُدفن في مقبرة الصالحين في رأس الطارف، شمال مركز لحرج الإداري، حيث يوجد ضريحه اليوم.

وتذكر رواية «شباب ساني» أن أخته رغبت في نقل جثمانه إلى المغرب، لكنها عدلت عن ذلك بعد الاطلاع على وصيته واحترام رغبته في أن يُدفن في الأرض التي أحبها واختارها وطنًا له.

وتحمل هذه الوصية دلالة إنسانية عميقة؛ فقد ظل عزيز وفيًّا لمولده الفاسي وأصله المغربي، لكنه أصبح في الوقت نفسه مرتبطًا بموريتانيا وأهلها ارتباطًا جعلها موطن حياته ومثواه الأخير.

أبناؤه وامتداد أثره

خلّف المرحوم عزيز برادة أبناءً وبناتٍ واصلوا مسيرة الأسرة في مجالات التعليم والإدارة والقضاء والعمل العام، ومن بينهم:

- فؤاد برادة، الذي عمل مدرسًا منذ بداية سبعينيات القرن العشرين في كنكوصة وكيهيدي، ثم درّس في الثانوية الوطنية بنواكشوط حتى تقاعده، وهو والد الكاتب والأكاديمي محمد فؤاد برادة.
- ليلى برادة، الأستاذة المتقاعدة من المدرسة الوطنية للإدارة، والتي خدمت الإدارة الموريتانية خلال مسيرتها المهنية.
- زبيدة برادة، والدة القاضي عزيز كرطالي.
- إلى جانب بقية أبنائه وبناته الذين امتد بهم حضور الأسرة ومكانتها داخل المجتمع.

وهكذا لم يتوقف أثر عزيز برادة عند مشاريعه التجارية والزراعية، بل استمر من خلال أبنائه وأحفاده الذين خدموا موريتانيا في مجالات التعليم والإدارة والقضاء والثقافة، محافظين على ما عُرف به بيتهم من الفضل وحسن السمعة وخدمة المجتمع.

وفاته وإرثه

توفي عزيز برادة سنة 1995، بعد حياة امتدت نحو سبعين عامًا، وكانت حافلة بالترحال والتجارة والزراعة والعمل الاجتماعي وخدمة الناس.

وقد ترك إرثًا متعدد الأبعاد:

- إرثًا اقتصاديًا تمثل في تجارته ومشاريعه؛
- وإرثًا زراعيًا جسده مشروع ساني النموذجي؛
- وإرثًا اجتماعيًا تمثل في تشغيل السكان والمساهمة في نشأة المدينة؛
- وإرثًا إنسانيًا من خلال العلاج والدواء المجانيين؛
- وإرثًا أخلاقيًا حفظته شهادات معاصريه وذاكرة أبنائهم؛
- وإرثًا عائليًا واصل حمله أبناؤه وأحفاده.

خاتمة

جاء عزيز برادة من فاس فتىً صغيرًا، ثم أصبح في موريتانيا تاجرًا ومزارعًا ومربيًا للماشية وممرضًا ومساهمًا في تنمية المجتمع وبناء ساني.

وتدل الروايات العائلية ووثيقة النسب التي كانت محفوظة لديه وشهادات من اطلعوا عليها على أنه شريف حسني من آل برادة، يتصل نسبه بالحسن المثنّى بن الحسن السبط، رضي الله عنهما.

وقد اجتمع له، بحسب المعطيات المتوفرة، شرف النسب وشرف العمل؛ فلم يجعل من أصله وسيلة للمباهاة، بل عبّر عن قيمه بما قدمه للناس من خير وعمل وتنمية.

لقد غادر عزيز برادة الحياة سنة 1995، لكن أثره بقي حاضرًا في مشروع ساني، وفي ذاكرة سكان المنطقة، وفي شهادات الذين عرفوه، وفي مسيرة أبنائه وأحفاده. وتظل سيرته مثالًا للرجل الذي لم يكتفِ بالمرور في المكان، بل غرس فيه مشروعًا، وأسهم في بناء مجتمعه، وترك في قلوب أهله ذكرًا طيبًا لا تمحوه السنون.

رحم الله عزيز برادة، وجعل أعماله في ميزان حسناته، ورحم الله السلف وبارك في الخلف.

المصادر والقرائن

- منشور «محطات ونبذة»، صفحة «شباب ساني»، محرر بتاريخ 21 يونيو 2022.
- منشور عن مشروع عزيز برادة الزراعي، صفحة نادي تجكجه الثقافي والرياضي ببلدية ساني، 18 ديسمبر 2023.
- شهادة السيد إبراهيم ولد العابد بشأن وجود عزيز برادة في كنكوصة وأصله وشرفه ونشاطه التجاري.
- شهادات الأشخاص الذين عاينوا وثيقة النسب المحفوظة سابقًا لدى عزيز برادة.
- الرواية العائلية بشأن نسب عزيز برادة واتصاله بالحسن المثنّى.
- مقال «بلاد الشرفاء: لماذا يُعد المغرب حالة فريدة؟»، موقع Maroc Patriotique.

أربعاء, 16/09/2026 - 13:46

تابعونا

fytw