تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

التعديل الوزاري المرتقب : وزراء في قاعة الانتظار ... من ينجو من غربال غزواني ؟ (افتتاحية)

مع اقتراب عودة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني من عطلته الخريفية تعود العاصمة انواكشوط إلى واحدة من أكثر لحظاتها السياسية ترقباً:

هل يفتح الرئيس باب التعديل الوزاري، ومن سيغادر ومن سيدخل؟

لا توجد، حتى الآن، قائمة رسمية، ولا موعد معلن، لكن مجرد ارتفاع الحديث عن التعديل يكفي لتحويل مكاتب بعض الوزراء إلى غرف انتظار، ويجعل كل حركة في القصر الرئاسي وكل لقاء سياسي وكل اتصال هاتفي قابلاً للتأويل.

في مثل هذه اللحظات، لا يعيش جميع الوزراء الحالة النفسية نفسها.

هناك من ينظر إلى التعديل باعتباره فرصة لإعادة ترتيب الحكومة وضخ دماء جديدة، وهناك من يتعامل معه باعتباره اختباراً لم يعد يملك كثيراً من الوقت للاستعداد له.

الوزراء الذين لا تملك حصيلتهم كثيراً من الحجج بعد سنوات من العمل الحكومي، لم يعد السؤال بالنسبة إلى بعضهم : هل نحن أوفياء للرئيس؟ بل أصبح السؤال الأصعب: ماذا أنجزنا؟

فالمواطن لا يعيش على وقع البيانات الوزارية، ولا يقيس نجاح الحكومة بعدد الاجتماعات والتصريحات، وإنما بما يراه في الماء والكهرباء والصحة والتعليم والطرق والإدارة والأسعار وفرص العمل.

ولهذا فإن بعض الوزراء قد يجدون أنفسهم أمام حصيلة يصعب تحويلها إلى حجة سياسية للبقاء.

مشاريع متعثرة، قطاعات تراوح مكانها، أزمات تتكرر، وضعف في التواصل، وغياب القدرة على تقديم رواية مقنعة لما تحقق؛ كلها عوامل تجعل المقعد الوزاري أقل أمناً مما كان عليه في بداية المأمورية.

وهنا تحديداً تبدأ المخاوف.

فالوزير الذي يدرك أن رصيده التنفيذي لم يعد كافياً، يعرف أن أي تعديل جدي قد يضع اسمه في مقدمة قائمةالمغادرين.

لكن هل تكفي الكفاءة وحدها؟ ربما لا.

فالسياسة الموريتانية، كما يعرف الجميع، ليست مجرد جدول نقاط للأداء، هناك التوازنات السياسية والاجتماعيةوالجهوية، وهناك علاقات القوة داخل الأغلبية، وهناك حسابات الأجنحة، وهناك شخصيات تستطيع أن تجعل من خروجها من الحكومة قضية سياسية، وأخرى قد تغادر دون أن تحدث مغادرتها كثيراً من الضجيج.

ومن هنا، فإن التعديل المرتقب ــ إذا تم ــ سيكون اختباراً حقيقياً لقدرة الرئيس على الفصل بين من يستحق البقاء بأدائه، ومن يريد البقاء بقوة سندِه السياسي.

وهذا هو جوهر المعركة الصامتة، صراع الأجنحة.. الحكومة ليست محايدة سياسياً.

كل تعديل حكومي يعيد توزيع النفوذ.

خروج وزير يعني فتح باب أمام جناح آخر، ودخول شخصية جديدة يعني بالضرورة إضافة وزن سياسي جديد إلى التشكيلة، ولهذا لن تكون عملية الاختيار سهلة.

فالأجنحة المختلفة داخل الأغلبية لن تقف متفرجة وهي ترى مواقعها يعاد توزيعها.

كل طرف يريد أن يكون له صوت في الحكومة المقبلة، وكل مجموعة تسعى إلى حماية حضورها، بينما يبقى الرئيس أمام مهمة أكثر تعقيداً:

كيف يرضي التوازنات دون أن تتحول الحكومة إلى مجموعة حصص؟ وهنا قد تكون المعركة الحقيقية خلف الكواليس.

المأمورية الثالثة.. كلمة السر في الخلفية

يزداد المشهد تعقيداً بسبب عودة الحديث عن المأمورية الثالثة، فخلال الفترة الأخيرة ظهرت أصوات وتحركات تدفع في هذا الاتجاه، في وقت سبق للرئيس غزواني أن عبّر عن عدم رغبته الشخصية في مأمورية ثالثة.

وبالتالي فإن أي تغيير في تركيبة الحكومة سيكون قابلاً للقراءة من زاوية سياسية أوسع:

هل نحن أمام حكومة هدفها الأساسي تحسين الأداء؟

أم حكومة تستعد لمرحلة سياسية جديدة؟

أم أن الرئيس يريد الجمع بين الأمرين: ترميم الأداء الحكومي وإعادة ضبط المشهد السياسي في الوقت نفسه؟

وهنا تكمن حساسية التعديل.

فالوزير الذي اختار الصمت تجاه ملف المأمورية الثالثة ليس بالضرورة في الموقف نفسه لمن اختار أن يجعل منها عنواناً لنشاطه السياسي.

وفي المقابل، فإن المبالغة في الترويج للمأمورية الثالثة قد لا تعني بالضرورة أن صاحبها يحظى برضا القصر.

فالقرار في النهاية للرئيس، وليس لمن يرفعون الشعارات باسمه.

غربال غزواني

إذا قرر الرئيس إجراء تعديل واسع، فإن الاختبار الحقيقي سيكون في نوعية المغادرين والداخلين.

هل سيغادر أصحاب الحصيلة الضعيفة؟

هل ستتم مكافأة أصحاب الأداء الأفضل؟

هل ستتراجع حصة الأجنحة السياسية لصالح الكفاءة؟

هل ستدخل وجوه شابة؟

هل سيعاد توزيع بعض الحقائب الثقيلة؟

وهل ستكون الحكومة الجديدة أكثر انسجاماً وقدرة على مواجهة الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تنتظرها البلاد؟

هذه الأسئلة أهم من أسماء الوزراء نفسها.

لأن التعديل الذي يغيّر الأشخاص فقط ولا يغيّر طريقة العمل لن يكون سوى تدوير للكراسي.

أما التعديل الذي يغيّر قواعد الاختيار والأداء والمحاسبة، فسيكون بداية سياسية مختلفة.

القصر يقرر.. والصالونات تتكهن

في انتظار القرار، ستواصل الصالونات السياسية إنتاج القوائم.

وزير سيبقى، وآخر سيغادر، وشخصية ستعود، وأخرى ستدخل لأول مرة.

لكن معظم هذه القوائم ستظل مجرد تكهنات إلى أن يصدر المرسوم الرئاسي.

وهذا تحديداً ما يجعل الأيام المقبلة ثقيلة على بعض الوزراء.

فالوزير الواثق من حصيلته يستطيع الانتظار بهدوء.

أما من يعرف أن بقاءه يحتاج إلى أكثر من إنجاز، وأكثر من تبرير، وأكثر من سند، فسيجد أن عودة الرئيس من العطلة ليست مجرد عودة إلى العمل.

إنها عودة ساعة الحساب.

وفي النهاية، لن يكون السؤال:

من استطاع أن يحافظ على مقعده؟ بل:من استطاع أن يقنع الرئيس بأن بقاءه يخدم المرحلة المقبلة؟

فموريتانيا لا تحتاج في هذه المرحلة إلى حكومة أكثر عدداً من الوزراء، وإنما إلى حكومة أكثر قدرة على الإنجاز.

والغربال، إن وُضع، لن يرحم من لا تشفع له الحصيلة.

أربعاء, 09/09/2026 - 09:59

تابعونا

fytw