تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيفه: شكراً حامد الفاظل... هكذا تُدار جمهورية فيسبوك! (افتتاحية)

كيفه | حامد الفاظل.. حين يصبح الهاتف مكتب تفتيش متنقلاً

في كيفه، لم يعد اكتشاف الخلل يحتاج بالضرورة إلى لجنة تفتيش، ولا إلى بعثة مركزية، ولا حتى إلى اجتماع طويل داخل مكتب مكيف.
أحياناً يكفي هاتف، وحساب فيسبوك، ومدون لا يخشى أن يسأل السؤال الذي يفضّل كثيرون ألا يُطرح.
هنا تحديداً تبرز ظاهرة حامد الفاظل،الرجل لم يدخل الإدارة من بابها، ولم يحمل صفة مفتش، ولا يرتدي زيّاً رسمياً، لكنه نجح في أن يجعل بعض الملفات التي يتناولها تنتقل من فضاء محدود إلى نقاش عام واسع. وهذه، في حد ذاتها، ظاهرة تستحق التوقف عندها.


من "المنشور" إلى "مركز القرار"


كان المسؤول في الماضي ينتظر تقريراً من الإدارة، أو مراسلة من جهة رسمية، أو زيارة ميدانية حتى يعرف حجم مشكلة ما.
اليوم، قد يستيقظ صباحاً ليجد المشكلة نفسها مصورة بالفيديو، ومشروحة في منشور، ومرفقة بعشرات التعليقات، وقد أصبحت حديث المدينة.
وهنا تبدأ قوة فيسبوك، فالمدون لم يعد مجرد ناقل خبر، إنه يستطيع أن يلفت الانتباه، ويجمع حول قضية واحدة جمهوراً واسعاً، ويجبر المؤسسات ـ في بعض الحالات ـ على تقديم توضيح أو رد، أوحتى مباشرة اجراءات أو اصلاحات لحل مشكلة. وبذلك يصبح المنشور، أحياناً، أشبه بـ مذكرة رقابية شعبية غير رسمية. ولعل حامد الفاظل أحد النماذج المحلية الأكثر وضوحاً لهذه الظاهرة.

قبل يومين كان حامد الفاظل في زيارة لأهله في كيفه وكعادته وقف على العديد من الاختلالات، ومظاهر هدر المال العام والترهل في انجاز المشاريع، وحسب بعض المصادر فقد استطاع خرجاته من أنحاء كيفه ان تحرك مشاريع مجمدة وتدب الحياة في برامج متوقفة ومن أمثلة ذلك مشروع أرصفة جوانب الطريق العابرة لمدينة كيفه، ومجمع مهجور تابع لوكالة التآزر في حي المطار.

خرجات حامد حققت ما عجزت عنه المراسلات الإدراية والبرقيات المخابراتية و التقارير الصحفية.

"كاشف الفساد"... لقب ثقيل


حين يختار مدون لنفسه أو يختاره جمهوره بوصفه "كاشفاً للفساد"، فهو يحمل لقباً أكبر من مجرد لقب على فيسبوك، فالفساد اتهام خطير، وكشفه يحتاج إلى أكثر من الغضب، وأكثر من ارتفاع عدد المشاهدات، يحتاج إلى وثيقة، ورقم، وشاهد، وقرينة، ثم إلى مهنية تضع كل معلومة في سياقها.


وهنا تكمن المفارقة:


فيسبوك يمنحك سرعة النشر، لكنه لا يمنحك تلقائياً صحة المعلومة، وهذه هي المنطقة التي يجب أن يتعلم فيها الجميع: المدون، والصحفي، والمسؤول، وحتى المواطن الذي يشارك المنشور بضغطة زر.


لذلك، فإن قيمة حامد الفاظل ـ أو أي مدون يمارس هذا الدور ـ لا تقاس بعدد الملفات التي يثيرها فقط، وإنما بقدرته على تحويل الإثارة إلى أسئلة موثقة تستحق الإجابة.


جمهورية لها رئيس... ولها أيضاً جمهور


الأكثر إثارة في المسألة أن "جمهورية فيسبوك" لا تحتاج إلى انتخابات.


الرئيس فيها هو صاحب المنشور الأكثر انتشاراً، والوزير هو من يستطيع أن يرد بسرعة، والمعارضة هي خانة التعليقات، والبرلمان هو مجموعات واتساب وفيسبوك، أما المحكمة الشعبية فمهمتها إصدار الحكم قبل اكتمال التحقيق!
هذه ليست دعوة إلى أخذ فيسبوك على محمل الجد أكثر مما ينبغي، بل العكس، إنها دعوة إلى إدراك أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت قوة اجتماعية وسياسية لا يمكن للمؤسسات تجاهلها،والمشكلة ليست في وجود هذه القوة، وإنما في كيفية استخدامها.


فقد تكشف فساداً حقيقياً، وقد تكشف تقصيراً، وقد تمنح مواطناً عادياً فرصة لإسماع صوته، لكنها قد تفعل العكس أيضاً: تشهّر، وتضلل، وتحوّل الشائعة إلى "حقيقة" لمجرد أنها حظيت بآلاف المشاركات.
المسؤول الذي يراقب فيسبوك
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن بعض المسؤولين باتوا يعرفون أن الرأي العام لم يعد ينتظر الصحيفة الورقية في صباح اليوم التالي.
هناك هاتف في يد المواطن،وهناك كاميرا، وهناك مدون، وهناك جمهور مستعد للتفاعل، وبين هذه العناصر الأربعة قد تولد قضية عامة خلال ساعات.
لذلك، فإن تجاهل المدونين لم يعد بالضرورة علامة قوة، أحياناً يكون الرد المهني والشفاف أقوى من الصمت،وإذا كان الاتهام صحيحاً، فالمحاسبة هي الجواب، وإذا كان خاطئاً، فالتوضيح بالأرقام والوثائق هو الجواب، وفي الحالتين، الرأي العام هو المستفيد.


شكراً حامد... ولكن!


شكراً حامد الفاظل، ليس لأن كل ما يقال على فيسبوك حقيقة، ولا لأن المدون يمكن أن يحل محل الصحفي أو المفتش أو القضاء.
شكراً لأن ظاهرة "حامد" تضع أمامنا سؤالاً أكبر: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها هاتف مواطن قادراً على فتح نقاش حول قضية عامة؟
والسؤال الأهم:
هل تستمع المؤسسات إلى ما يقوله الناس قبل أن يتحول غضبهم إلى قضية عامة؟ ،ربما لا تكون المسألة في النهاية قصة حامد الفاظل وحده.


إنها قصة زمن جديد أصبحت فيه المعلومة موزعة بين الجميع، وأصبحت فيه الرقابة الاجتماعية أسرع من الرقابة الإدارية، وأصبح فيه المواطن قادراً على أن يضع المسؤول أمام سؤال عام في لحظة واحدة.


لكن هذه الجمهورية الجديدة تحتاج هي الأخرى إلى دستور، ودستورها بسيط:

انشر إذا كنت تملك الدليل، اسأل إذا كنت تشك، انتقد إذا كان لديك ما تستند إليه، واترك الحكم النهائي لمن يملك سلطة التحقيق والقضاء.

أما غير ذلك، فقد تتحول "جمهورية فيسبوك" من مساحة لكشف الفساد إلى مساحة لصناعة فساد جديد اسمه تضليل الرأي العام.
وفي كل الأحوال، يبقى حامد الفاظل نموذجاً لظاهرة أكبر من شخصه:
حين يصبح الهاتف مكتب تفتيش متنقلاً، يصبح على المكاتب الرسمية أن تتعلم كيف تجيب.

جمعة, 04/09/2026 - 16:15

تابعونا

fytw