تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

كيف نقرأ هذا الحجم من الالتفاف الشعبي حول السيدة الأولى مريم محمد فاضل الداه؟

لم يعد الحضور المتزايد للسيدة الأولى، الدكتورة مريم محمد فاضل الداه، في المشهد العام الموريتاني مجرد حضور بروتوكولي مرتبط بموقعها كحرم لرئيس الجمهورية، بل بدأ يأخذ، على ما يبدو، طابعاً شعبياً ومجتمعياً أكثر وضوحاً.

ويطرح ذلك سؤالاً جديراً بالتأمل: لماذا يزداد الالتفاف حولها، وما الذي يميز حضورها عن حضور عدد من السيدات الأوائل السابقات؟

قد يكون أول مفاتيح الإجابة هو طبيعة الدور الذي اختارت السيدة الأولى أن تؤديه. فمنذ وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الحكم، ارتبط حضورها بملفات اجتماعية وإنسانية وتنموية تمس شرائح واسعة، خصوصاً النساء والفتيات والأطفال والفئات الهشة. وفي يوليو 2026، أشرفت مثلاً على إطلاق المرحلة الثالثة من مشروع تمكين المرأة والعائد الديمغرافي، وهو مشروع يستهدف ولايات تضم أكثر من نصف سكان البلاد.

وهنا تكمن نقطة مهمة: الشعبية لا تُبنى دائماً من خلال الخطابات السياسية، وإنما من خلال القرب من القضايا التي يشعر المواطن أنها تعنيه مباشرة. فعندما يصبح اسم السيدة الأولى مرتبطاً بتمكين المرأة، وتعليم الفتيات، ورعاية الطفولة، ودعم المبادرات الثقافية، فإن صورتها تنتقل تدريجياً من كونها "زوجة الرئيس" إلى شخصية عامة لها حضورها الخاص في الذاكرة الاجتماعية.

كما أن تنوع أنشطتها ساهم في توسيع دائرة حضورها. فقد شاركت في ملفات تتصل بالتعليم، وتمكين المرأة، ومحاربة العنف ضد النساء والفتيات، والثقافة والتراث، كما ترأست شرفياً مركز "ترانيم" وزارت المركز وقدمت دعماً لأنشطته الموجهة للفتيات.

.

العامل الثاني هو أسلوب الحضور

فالسيدة الأولى تبدو حريصة على الظهور في مناسبات ذات طابع اجتماعي وثقافي وإنساني، وهي مساحات عادة ما تكون أقرب إلى الجمهور منه إلى الفضاءات السياسية الصلبة، وهذا النوع من الحضور يسمح ببناء علاقة مختلفة مع الناس، خصوصاً النساء والشباب والفاعلين الثقافيين والاجتماعيين.

أما العامل الثالث، فيرتبط بأن المجتمع السياسي نفسه بدأ يكتشف القيمة الرمزية للحضور الشعبي للسيدة الأولى.

ولذلك فإن الالتفاف حولها قد لا يكون كله عفوياً بالمعنى السياسي الضيق؛ فجزء منه يرتبط أيضاً برغبة الفاعلين المحليين والمنتخبين والأطر والوجهاء في إظهار الولاء والتأييد للرئيس من خلال الترحيب بزوجته، خصوصاً عندما تكون زيارتها مرتبطة بنشاط وطني أو اجتماعي كبير، وهذا ما يجعل بعض مظاهر الحشد حولها قابلة لقراءتين: قراءة ترى فيها تعبيراً عن شعبية حقيقية، وقراءة أخرى ترى جانباً منها انعكاساً للحسابات السياسية المحلية، والأرجح أن الحقيقة تقع في المنطقة الوسطى؛ فالحشد السياسي يحتاج إلى قرار بالتعبئة، لكنه لا يستطيع وحده صناعة مشاعر الترحيب إذا لم يجد شخصية لديها قابلية اجتماعية للحضور والتفاعل.

ومن العوامل التي تساعد على تفسير هذه الجاذبية أيضاً السيرة الشخصية للسيدة الأولى؛ فهي طبيبة، ولها تجربة مهنية وعسكرية سابقة، ما يمنح صورتها العامة بعداً مختلفاً عن الصورة التقليدية للسيدة الأولى التي يقتصر حضورهن على المناسبات الرسمية.

وقد ساهم ذلك في تقديمها باعتبارها شخصية لها مسارها المهني وشخصيتها المستقلة، وليس فقط زوجة رئيس الجمهورية.

وبالمقارنة مع عدد من السيدات الأوائل السابقات، فإن الفارق لا ينبغي أن يُفهم بالضرورة على أنه حكم على شعبية أولئك أو تقييم لجهودهن؛ فلكل واحدة منهن ظروفها السياسية والاجتماعية وطبيعة المرحلة التي عاشت فيها، لكن اللافت في حالة مريم محمد فاضل الداه هو اتساع مساحة الظهور العام وتعدد الملفات التي تتحرك فيها، بالتزامن مع توسع الفضاء الإعلامي والاجتماعي الذي يسمح بقياس التفاعل الشعبي معها بصورة أسرع وأكثر وضوحاً.

ولعل زيارة كيفه المرتقبة، وما يرافقها من تحضيرات وحراك محلي، تمثل اختباراً جديداً لهذه الظاهرة، فإذا كان حجم التعبئة كبيراً، فإن السؤال لن يكون فقط: كم شخصاً سيحضر؟ بل الأهم: ما الذي يدفع الناس إلى الحضور؟

ففي السياسة الموريتانية، حيث تختلط الرمزية الاجتماعية بالحسابات السياسية، لا يمكن فصل الحضور الشعبي عن السياق السياسي العام. لكن في حالة السيدة الأولى يبدو أن هناك عنصراً إضافياً بدأ يفرض نفسه: صورة امرأة حاضرة في قضايا المجتمع، قادرة على الوصول إلى شرائح لا تصل إليها السياسة التقليدية بسهولة.

ومن هنا يمكن فهم جزء معتبر من الالتفاف حولها: ليس فقط لأنها زوجة رئيس الجمهورية، وإنما لأن حضورها بدأ يتشكل باعتباره حضوراً اجتماعياً مستقلاً نسبياً، يستند إلى العمل الميداني والرمزية الإنسانية والتفاعل المباشر مع قضايا المرأة والطفل والشباب والثقافة.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام هذا الحضور هو المحافظة على المسافة بين الشعبية والتعبئة السياسية؛ فالأولى تُبنى ببطء من خلال الثقة والأثر، بينما الثانية يمكن تنظيمها في أيام قليلة. وإذا نجحت السيدة الأولى في تحويل الزخم الحالي إلى أثر اجتماعي مستدام، فقد يتحول الالتفاف حولها من ظاهرة مرتبطة بالمناسبات والزيارات إلى واحدة من أبرز الظواهر الاجتماعية المصاحبة للحكم الحالي

جمعة, 14/08/2026 - 14:38

تابعونا

fytw