بعد أكثر من سبعة عشر عامًا على نشر مقال «موريتانيا والأمير والانتخابات البرلمانية»، يبدو أن جزءًا كبيرًا من الإشكالات التي أثيرت آنذاك ما زال مطروحًا، وإن اختلفت السياقات وتبدلت الفاعليات. غير أن التجربة تؤكد اليوم أن التحدي الأكبر الذي يواجه موريتانيا لا يكمن في إعادة تشكيل التوازنات السياسية وحدها، وإنما في بناء الإنسان، باعتباره المدخل الحقيقي لبناء الدولة وترسيخ الاستقرار.
لقد انصب جانب معتبر من النقاش العمومي خلال العقود الماضية على الانتخابات، والأحزاب، وتوزيع السلطة، بينما ظل الاستثمار في الإنسان، بوصفه أساس التنمية والدولة الحديثة، دون المستوى الذي تفرضه التحولات الاجتماعية والديموغرافية والتكنولوجية المتسارعة.
وتكشف المؤشرات الاجتماعية عن تنامي ظواهر تستدعي وقفة وطنية جادة، من بينها التسرب المدرسي، والهشاشة الأسرية، وضعف التأطير التربوي، ووجود أطفال ينشؤون خارج المنظومة التعليمية والتكوينية، فضلاً عن وجود أسر تضم أعدادًا كبيرة من الأطفال تتجاوز في بعض الحالات عشرة أو ثلاثة عشر طفلًا، دون أن تتوافر لها الإمكانات الكافية لضمان التربية والمتابعة والتوجيه. ولا يمثل ذلك تحديًا اجتماعيًا فحسب، بل هو قضية ترتبط بجودة رأس المال البشري الذي سيقود الدولة خلال العقود المقبلة.
ويزداد هذا التحدي تعقيدًا مع التراجع النسبي لأدوار التأطير التقليدية، وفي مقدمتها المحظرة والمؤسسات الدينية، التي شكلت عبر التاريخ الموريتاني مدرسةً لتكوين الإنسان قبل تكوين العالم، ولغرس قيم الانضباط، والأمانة، والاعتدال، والاعتماد على النفس، واحترام العلم. فقد كانت المحظرة مؤسسةً اجتماعيةً وتربويةً متكاملة، أسهمت في صناعة النخب وحفظ الهوية الوطنية، إلى جانب دورها العلمي والديني.
وفي المقابل، فرضت الثورة الرقمية واقعًا جديدًا، حيث أصبحت الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والوسائط الرقمية أحد أهم مصادر تشكيل وعي الأطفال والشباب، دون أن يواكب ذلك تأطير أسري أو تربوي أو ديني يضمن الاستخدام الرشيد لهذه الوسائط. ولم تعد المنافسة اليوم بين المدرسة والشارع فحسب، بل أصبحت بين الأسرة والمحظرة والمدرسة من جهة، والفضاء الرقمي المفتوح من جهة أخرى، بما يحمله من فرص معرفية كبيرة، ومخاطر فكرية وسلوكية لا يمكن تجاهلها.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا الطرح باعتباره دعوة للعودة إلى الماضي، بل دعوة إلى تحديث مؤسسات التأطير وإعادة الاعتبار لوظيفتها الحضارية، بحيث تتكامل المدرسة مع الأسرة، والمحظرة مع الجامعة، والخطاب الديني مع الخطاب التربوي، لبناء شخصية متوازنة تجمع بين المعرفة، والقيم، والانفتاح، وروح المواطنة.
إن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتحملها الأحزاب السياسية، في الأغلبية والمعارضة، والمؤسسات الدينية، والقطاع التربوي، والإعلام، والمجتمع المدني، والأسرة. فالإشكال ذو طبيعة بنيوية، ولا يمكن معالجته بتحميل المسؤولية لطرف دون آخر، لأن بناء الإنسان مشروع وطني تتقاطع فيه مسؤوليات الجميع.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن التنمية المستدامة تبدأ بالاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في البنى التحتية، وأن قوة الدول لا تقاس بحجم مواردها الطبيعية، وإنما بجودة تعليمها، وتماسك أسرتها، وكفاءة مؤسساتها، وقوة منظومتها القيمية.
ومن ثم، فإن موريتانيا بحاجة اليوم إلى ميثاق وطني لبناء الإنسان، يجعل الطفولة، والتعليم، والتأطير الديني والتربوي، والثقافة، والتربية الرقمية، في صدارة الأولويات الوطنية. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ عند صناديق الاقتراع، وإنما يبدأ في الأسرة، والمدرسة، والمحظرة، وفي كل مؤسسة تسهم في صناعة المواطن الصالح.
إن الأمم التي تهمل تنشئة أجيالها تؤجل أزماتها ولا تحلها، أما الأمم التي تجعل من الإنسان محور سياساتها، فإنها تؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وعدالةً وازدهارًا.
. محمد فؤاد برادة