أعاد النقاش الذي دار بين معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي ومعالي وزير الاقتصاد والمالية السابق سيدي أحمد ولد ابوه طرح إشكالية اقتصادية كلاسيكية تتعلق بدور الدولة في مواجهة الصدمات الخارجية، وبالحدود الفاصلة بين متطلبات الاستقرار المالي وضرورات الحماية الاجتماعية. وتكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة في الاقتصادات النامية، حيث تتشابك الاعتبارات الاقتصادية مع الأبعاد الاجتماعية والسياسية والمؤسسية.
ومن منظور أكاديمي، لا يمكن اختزال هذا النقاش في مجرد اختلاف حول قرار ظرفي يتعلق بأسعار المحروقات، بل ينبغي النظر إليه باعتباره تعبيرًا عن تباين في المرجعيات النظرية والمقاربات المنهجية التي تستند إليها السياسات العمومية.
أولاً: المقاربة الكلاسيكية ومنطق الكفاءة الاقتصادية
ترى المدرسة الكلاسيكية، ومن بعدها المدرسة النيوليبرالية، أن الأسعار تؤدي وظيفة أساسية في الاقتصاد تتمثل في توجيه الموارد وتحقيق التخصيص الأمثل لها. ومن ثم فإن التدخل الحكومي الواسع لتثبيت الأسعار قد يؤدي إلى تشويه الإشارات السعرية وإضعاف كفاءة الأسواق، فضلاً عن الأعباء المالية التي يفرضها على الميزانية العامة.
وفي هذا السياق، ينسجم الطرح الحكومي مع منطق الاقتصاد الكلاسيكي عندما يدافع عن الانتقال من الدعم الشامل إلى الدعم الموجه، باعتبار أن الدعم العام للمحروقات يستفيد منه جميع المستهلكين بغض النظر عن مستويات دخولهم، في حين يسمح الدعم الموجه بتركيز الموارد العمومية على الفئات الأكثر هشاشة، مع المحافظة على التوازنات المالية للدولة.
وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ اقتصادي معروف مفاده أن عدالة الإنفاق العمومي لا تتحقق فقط بحجم الموارد المخصصة له، بل بمدى فعالية استهدافه للفئات المستحقة.
ثانياً: المقاربة الكينزية وأولوية الاستقرار الاجتماعي
في المقابل، تنطلق المدرسة الكينزية من افتراض أن الأسواق لا تمتلك دائماً القدرة الذاتية على تصحيح الاختلالات الناتجة عن الأزمات، وأن تدخل الدولة يصبح ضرورة للحفاظ على مستويات الطلب الكلي والنشاط الاقتصادي.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم التحفظات التي أُبديت بشأن رفع أسعار المحروقات باعتبارها تعكس تخوفاً من انتقال الصدمة إلى مختلف القطاعات الاقتصادية عبر آلية التضخم. فالمحروقات تمثل مدخلاً أساسياً في النقل والإنتاج والتوزيع، ومن ثم فإن ارتفاع أسعارها ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أسعار السلع والخدمات.
وتبعاً لذلك، ترى هذه المقاربة أن تكلفة التدخل الوقائي للحد من التضخم قد تكون أقل من التكلفة الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على معالجته بعد تفاقمه، خاصة في الاقتصادات التي تتسم بضعف مستويات الدخل وارتفاع هشاشة الشرائح الاجتماعية واسعة النطاق.
ثالثاً: المقاربة البنيوية وإشكالية الاختلالات الهيكلية
إذا كانت المدرستان الكلاسيكية والكينزية تركزان أساساً على إدارة الظواهر الاقتصادية الظرفية، فإن المدرسة البنيوية تنقل النقاش إلى مستوى أعمق يتعلق بالبنية الاقتصادية ذاتها.
فمن منظور بنيوي، لا تكمن المشكلة الأساسية في حجم الدعم أو شكله، بل في هشاشة الهياكل الاقتصادية التي تجعل الاقتصاد الوطني شديد التأثر بالصدمات الخارجية. ويتجلى ذلك في الاعتماد الكبير على الواردات، وضعف التنويع الإنتاجي، ومحدودية القدرات التخزينية، وغياب الصناعات التحويلية المرتبطة بالطاقة، فضلاً عن استمرار التبعية الغذائية للأسواق الخارجية في عدد من المنتجات الأساسية.
وعليه، فإن الجدل حول أسعار المحروقات يُنظر إليه، في التحليل البنيوي، باعتباره نقاشاً حول نتائج الاختلالات الهيكلية أكثر من كونه نقاشاً حول أسبابها. فكلما ارتفعت درجة الاعتماد على الخارج، ازدادت حساسية الاقتصاد الوطني تجاه تقلبات الأسواق الدولية.
ومن ثم، فإن الحلول المستدامة لا تتمثل فقط في إدارة الأزمات الظرفية، بل في بناء قدرات إنتاجية وطنية وتعزيز الأمن الغذائي والطاقوي وتطوير البنية التحتية الاقتصادية.
رابعاً: قراءة النقاش من خلال المنهج الوضعي
يقوم المنهج الوضعي في العلوم الاقتصادية على تحليل الوقائع القابلة للقياس والملاحظة، والبحث عن العلاقات السببية بين المتغيرات الاقتصادية.
ومن هذه الزاوية، يمكن ملاحظة أن طرفي النقاش اعتمدا بدرجات متفاوتة على مؤشرات كمية تتعلق بأسعار المحروقات، ونسب الضرائب، ومعدلات التضخم، وحجم الدعم العمومي، والمشاريع الاستثمارية الممولة من الميزانية العامة.
غير أن المنهج الوضعي يقتضي الحذر من التبسيط المفرط للعلاقات الاقتصادية، إذ إن التضخم، على سبيل المثال، لا ينتج عن عامل واحد، بل يتأثر بمجموعة من المتغيرات المتداخلة، من بينها تطور الأسعار العالمية، وسعر الصرف، والسياسة النقدية، ومستويات الطلب الداخلي، وتكاليف النقل والإنتاج.
وعليه، فإن تقييم السياسات العمومية يتطلب الاعتماد على نماذج تحليلية شاملة تأخذ في الاعتبار تفاعل مختلف هذه العوامل.
خامساً: المنهج التأويلي وفهم منطق الفاعلين
على خلاف المنهج الوضعي الذي يركز على تفسير الظواهر من خلال الأرقام والمؤشرات، يهتم المنهج التأويلي بفهم المعاني والسياقات والدوافع التي توجه سلوك الفاعلين الاقتصاديين وصناع القرار.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة موقف الحكومة باعتباره تعبيراً عن أولوية الحفاظ على استدامة المالية العامة وضمان استمرار تمويل المشاريع التنموية الكبرى وعدم استنزاف الموارد العمومية في دعم شامل قد يصعب تحمله على المدى الطويل.
وفي المقابل، يمكن فهم موقف الوزير السابق باعتباره تعبيراً عن أولوية حماية القدرة الشرائية للمواطنين والحد من الآثار الاجتماعية للتضخم، انطلاقاً من تقدير مختلف للأخطار الاقتصادية الآنية.
وبالتالي فإن الخلاف لا يقتصر على تفسير المعطيات الاقتصادية، بل يمتد إلى ترتيب الأولويات وتقدير المخاطر وتحديد ما ينبغي أن تتدخل الدولة لمعالجته أولاً.
سادساً: الاقتصاد المؤسسي كإطار جامع
تشير أدبيات الاقتصاد المؤسسي إلى أن نجاح السياسات الاقتصادية لا يعتمد فقط على سلامة تصميمها النظري، بل كذلك على جودة المؤسسات التي تتولى تنفيذها.
ففعالية الدعم الموجه، على سبيل المثال، ترتبط بوجود قواعد بيانات دقيقة، وآليات استهداف شفافة، ونظم رقابة ومتابعة فعالة. كما أن نجاح سياسات مكافحة التضخم يتطلب درجة عالية من التنسيق بين السياسة المالية والسياسة النقدية.
ومن ثم، فإن جودة الحوكمة والمؤسسات تمثل عاملاً حاسماً في تحديد النتائج النهائية لأي خيار اقتصادي، بصرف النظر عن المدرسة الفكرية التي يستند إليها.
يُظهر هذا النقاش أن الاقتصاد ليس علماً يقدم حلولاً نهائية ومطلقة، بل مجالاً تتعدد فيه المقاربات وتختلف فيه التقديرات تبعاً للمرجعيات النظرية والافتراضات المنهجية المعتمدة.
ففي حين تؤكد المقاربة الكلاسيكية أهمية الانضباط المالي وكفاءة تخصيص الموارد، تشدد المقاربة الكينزية على ضرورة حماية الطلب والقدرة الشرائية أثناء الأزمات، بينما تدعو المدرسة البنيوية إلى معالجة الاختلالات الهيكلية التي تجعل الاقتصاد عرضة للصدمات الخارجية. أما المنهجان الوضعي والتأويلي فيقدمان زاويتين مختلفتين لفهم الظواهر الاقتصادية وتفسير خيارات الفاعلين العموميين.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الانتصار لإحدى المدارس على حساب الأخرى، بل في بناء سياسة اقتصادية متوازنة تجمع بين الاستقرار المالي، والعدالة الاجتماعية، والإصلاحات الهيكلية طويلة المدى، بما يحقق تنمية مستدامة وقادرة على الصمود أمام الأزمات المستقبلية.